..:: الموقع الرسمی للدکتور سید صادق حقیقت ::..
کل المقالات

ولاية الفقيه

دراسة في نظريات فقهيّة

 


د. السيد صادق حقيقت(*)

ترجمة: السيد حسن مطر الهاشمي

الاجتهاد و التجدید، ش 13-14، شتاء و ربیع 1431 ق (2010 م).

 

 مقدمة

 هناك معنيان لولاية الفقيه بحسب سعتها وشمولها:

 الأول: الولاية (أو التصرف) في الأمور الحسبية، وهي الأمور التي لا يرضى الشارع بتركها وعدم القيام بها.

 الثاني: الولاية بمعناها الواسع، والذي يعني ضرورة إقامة الحكومة الإسلامية، وقيام ولي الفقيه ـ الذي يكتسب شرعيته من قبل الله والمعصومين ـ على رأس السلطة.

 وهذه المقالة تبحث في ولاية الفقيه بمعناها الثاني على رأي الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي؛ لقيام الإجماع بين فقهاء الإمامية على المعنى الأول تقريباً. وقد ذهب الشيخ محمد هادي معرفت ـ خلافاً لرأي المشهور ـ إلى ثبوت ولاية الفقيه بمعناها الثاني عند هذين الفقيهين([1]). كما قال الأستاذ مهدي الهادوي: إن السيد الخوئي يذهب إلى ولاية الفقيه بالمعنى الذي يذهب إليه الإمام الخميني، مع اختلافهما في طرق الاستدلال([2]).

 وتسعى هذه المقالة التي بين أيدينا إلى نقد هذه المدعيات من خلال قراءة آراء الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي حول ولاية الفقيه.

 

 رأي الشيخ الأنصاري في ولاية الفقيه

 ينبغي لنا في البحث عن آراء الشيخ الأنصاري حول ولاية الفقيه مراجعة كتبه الفقهية بشكل مستقل، كي نتمكن من المقارنة وبحث التغيّرات المحتملة في الآراء. فقد عمد الشيخ الأنصاري في كتاب «المكاسب»، بعد بحث الولاية العامة الثابتة للمعصوم×، إلى تقسيم ولاية الفقهاء إلى ثلاثة أقسام: 1ـ الإفتاء؛ 2ـ القضاء 3 ـ الولاية العامة. ثم حصر البحث في القسم الثالث. وفي هذه المقالة لا نتحدث عن القسمين الأولين.

يرى الشيخ الأنصاري أن إثبات الولاية للفقيه على غرار الولاية الثابتة للمعصوم× في غاية الامتـناع، وقد مثّل لذلك بخرط القتاد. وطبعاً هناك في البين أمور لابد من القيام بها لا محالة، ولو من قبل غير الفقهاء، وهي التي يعبّر عنها بالأمور الحسبية، وقد تعرض الشيخ إلى روايات هذا الباب، كالتوقيع الشريف([3])، ومقبولة عمر بن حنظلة، وأشار إلى أن الفقهاء هم القدر المتيقّن منها، حيث قال: «فقد ظهر مما ذكرنا أن ما دلت عليه هذه الأدلة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأمور التي تكون مشروعية إيجادها في الخارج مفروغاً عنها، بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفايةً»([4]).

 لا يرى الشيخ محمد هادي معرفت الرجوع إلى الفقهاء ـ طبقاً للتوقيع الشريف ـ منحصراً بالسؤال عن الأحكام الشرعية، بل يشمل جميع المسائل السياسية، والاجتماعية، وإقامة الحكم، ومطلق الأمور المتعلّقة بالشؤون العامة([5]).

 وعلى حّد قوله: لو أقمنا قياساً منطقياً، وجعلنا صغراه ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري نفسه، حيث قال: «إقامة النظام من الواجبات المطلقة»([6])، وكبراه المسائل المذكورة، فسوف تثبت مسألة «ولاية الفقيه العامة» كنتيجة لهذا القياس المنطقي بشكلٍ واضحٍ. والإشكال الأساسي الذي يرِدُ على هذا الكلام هو تصريح الشيخ الأنصاري بانحصار ولاية الفقهاء في الأمور الحسبية، ولا يريد من إقامة النظام سوى الأحكام التـنظيمية التي يتوقف عليها نظام المجتمع الإسلامي بشكل أو آخر؛ بحيث لو تخلى الفقيه عن القيام بها لوجبت على غيره، وطبقاً للتعريف ستغدو الأحكام التـنظيمية نوعاً من الأمور الحسبية، وأن المراد من (إقامة الحكم) هو القيام بهذه الأمور، دون إقامة النظام والحكومة الإسلامية. فأين القيام بالأمور الحسبية والأحكام التـنظيمية؛ بوصفها قدراً متيقّناً، من إثبات الولاية العامة للفقهاء؟!

 ذهب الشيخ الأنصاري في كتاب القضاء إلى عدم انحصار نفوذ حكم الفقيه بباب القضاء، وإنما رآه مستوعباً للأمور العامة أيضاً، حيث قال: «ومنه يظهر كون الفقيه مرجعاً في الأمور العامة»؛ وذلك لاستعمال الإمام× كلمة (الحاكم) بدلاً من كلمة (الحكم) المتعلّقة بالقضاء، قال الشيخ: «إن تعليل الإمام× وجوب الرضا بحكومته في الخصومات بجعله حاكماً على الإطلاق، وحجة كذلك، يدلّ على أن حكمه في الخصومات والوقائع من فروع حكومته المطلقة وحجيته العامة، فلا يختصّ بصورة التخاصم»([7]). وقد استشهد الشيخ محمد هادي معرفت بموضع من نهج البلاغة على استعمال (الحاكم) في الأمور السياسية والاجتماعية، وأن ذلك غير منحصر بالأمور القضائية فقط. ويتلخص البحث هنا في تحديد معنى (الولاية المطلقة)، ويمكن استعمال هذا المصطلح في ثلاثة معانٍ:

 الأول: المصطلح الذي أفاده الإمام الخميني في السنوات الأخيرة من عمره الشريف،    من أن (الولاية المطلقة) تعني إعمال الولاية وفقاً للمصلحة التي لا تـندرج في الأحكام الثانوية، بل هي في زمرة الأحكام الأولية، ومقدّمة عليها.

ولا شك في أن هذا المعنى غير مراد للشيخ الأنصاري، وربما لم يتفوّه أحدٌ بهذه التعابير قبل الإمام الخميني.

 الثاني: الولاية على جميع الأمور العامة، والأحكام السياسية، والاجتماعية، على نحو ما ذهب إليه الشيخ معرفت.

ولازم هذا الاحتمال عدول الشيخ الأنصاري عن رأيه في المكاسب، وهو ما لا يرتضيه أمثال الشيخ معرفت. مضافاً إلى عدم انسجامه مع عبارات الشيخ الأنصاري في كتابيه.

 الثالث: أن يكون المراد من الإطلاق الشمول لجميع الأبواب الداخلة في دائرة الأمور الحسبية والتـنظيمية، وعدم اقتصارها على باب القضاء أو أيّ بابٍ آخر.

وهذا الاحتمال هو الذي يمكننا من خلاله أن نجمع بين أقوال الشيخ في المواضع المختلفة، وينسجم مع عباراته.

والشيخ معرفت لا يرى اختلافاً جوهرياً بين ما أفاده الشيخ الأنصاري في كتاب المكاسب وما ذهب إليه في كتاب القضاء، حيث رأى أنه يذهب إلى ولاية الفقهاء العامة في كلا هذين الكتابين.

إلا أننا نرى أنه في كلا الموضعين يذهب إلى ولايتهم في الأمور الحسبية، فإن (الإطلاق) من الأمور الإضافية، فلا بد من النظر إلى معناها بالقياس إلى ما يلحظه المتكلّم، والمقصود من (الإطلاق) في كلام الشيخ الأنصاري المتقدّم عدم الاختصاص بصورة التخاصم والقضاء، إلا أنه في الوقت نفسه لا يتجاوز دائرة الأمور الحسبية والتـنظيمية. والملفت للانتباه أن الشيخ معرفت قد استـنتج في نهاية المطاف أن الشيخ الأنصاري في كتابيه (المكاسب، والقضاء) قد ذهب إلى نفس ما قاله الفقهاء منذ اليوم الأول بشأن ولاية الفقيه في الأمور العائدة إلى إقامة النظام، ولا يجوز تعطيلها بحالٍ، والتي يجب التصدي لها من قبل الفقهاء الجامعين للشرائط على نحو الكفاية. والنتيجة التي توصّل إليها تتـناسب والاحتمال الثالث، دون الأول والثاني وما افترضه في مقاله، وأن الفقهاء المتقدّمين على الشيخ يحصرون الولاية في الأمور الحسبية، وقد سار الشيخ على خطاهم. وطبعاً قد يراد من الأمور الحسبية ـ مع الحفاظ على وحدة تعريفها ـ مساحتين:

 1ـ المساحة الضيقة، أي أمور الصغار، واليتامى، ونحو ذلك.

 2ـ المساحة الواسعة، أي الأمور السياسية، والاجتماعية، التي لا يرضى الشارع بتركها.

 ومهما كان فإن المساحة الثانية أضيق من مساحة الولاية العامة للفقهاء، فضلاً عن الولاية المطلقة. ومن هنا يتضح مراد الشيخ الأنصاري في كتاب الخمس والزكاة أيضاً، حيث قال: «وربما أمكن القول بوجوب الدفع إلى المجتهد؛ نظراً إلى عموم نيابته، وكونه حجة الإمام على الرعية، وأميناً عليه، وخليفته له، كما استفيد ذلك كله من الأخبار»([8])،«ولو طلبها الفقيه فمقتضى أدلة النيابة العامة وجوب الدفع؛ لأن منعه ردٌّ عليه، والرادُّ عليه رادٌّ على الله تعالى»([9]). وعليه ينحصر عموم نيابة الفقيه في عصر الغيبة بالأمور الحسبية أيضاً.

 وهذا الكلام ينطبق على صاحب الجواهر أيضاً، المعروف بدفاعه عن ولاية الفقيه، وذهابه إلى وصف من لا يرى عموم ولاية الفقيه بعدم تمتّعه بالذائقة الفقهية، ولكن مع ذلك لم يكن مراده تأسيس وإقامة الحكومة الإسلامية، حيث قال: «نعم، لم يأذنوا لهم في زمن الغيبة ببعض الأمور التي يعلمون عدم حاجتهم إليها، كجهاد الدعوة، المحتاج إلى سلطان وجيوش وأمراء، ونحو ذلك مما يعلمون قصور اليد فيها عن ذلك ونحوه، وإلا لظهرت دولة الحق، كما أومأ إليه الصادق× بقوله: «لولا أن لي عدد هذه الشويهات، وكانت أربعين، لخرجت»»([10]).

 

 رأي السيد الخوئي في ولاية الفقيه

 لقد سعى الأستاذ مهدي الهادوي إلى إثبات التشابه الكامل بين نظرية السيد الخوئي ونظرية الإمام الخميني، فأشار إلى الحكم الذي أصدره سماحته في خضم أحداث الانتفاضة الشعبانية العراقية عام 1991م، والقاضي بنصب حكّام الشرع، وصرّح بأنه قد أعمل ولايته بوصفه فقيهاً؛ بغية إقرار الأمن والنظم؛ وأن المراد من (الإطلاق) في الولاية المطلقة هو الإطلاق المبحوث في علم الأصول([11]).

 ويَرِدُ عليه: أولاً: إن الإطلاق هنا لا ربط له بالإطلاق في علم الأصول، والذي يتمسك به بعد إجراء مقدمات الحكمة؛ فالمبحوث في علم الأصول هو أن المتكلّم إذا أمر بشيء، وجرت مقدمات الحكمة، وجب التمسك بإطلاق كلامه. فمثلاً: لو أمر المتكلّم بأداء الصلاة أمكن الإتيان بمطلق الصلاة بعد جريان مقدمات الحكمة، دون الالتفات إلى القيود الخاصة؛ في حين أنه ليس المراد من قيد الإطلاق في ولاية الفقيه المطلقة أن يكون الشارع قد أصدر أمراً لا بد من الأخذ به بعد إجراء مقدمات الحكمة فيه، وإنما المراد منها ـ مع الالتفات إلى أنها مما انفرد به الإمام الخميني، حيث لم يصدع بها أحدٌ قبله ـ هو إعمال الولاية بملاك (المصلحة) بوصفها من الأحكام الأولية والمقدّمة عليها، في قبال الولاية المقيّدة، التي يذهب إليها أمثال السيد الكلبايكاني، من خلال تقسيم الأحكام إلى الأولية والثانوية، والتي يتمكّن الحاكم على طبقها تجاوز الأحكام الأولية والمصير إلى العناوين الثانوية، والاقتصار في ذلك على موارد الضرورة، من باب (إنّ الضرورات تقدّر بقدرها).

 وقد كتب الإمام الخميني عام 1367هـ ش في رسالته المعروفة: «الأمر الثاني في ما يتعلق بالكلام المتقدم: إن رأي السيد الخوئي يُفهم من خلال النظر في كتبه الكثيرة، وارتباطه بسلوكه السياسي، وعندها ندرك أنه يحصر ولاية الفقيه في الأمور الحسبية، حيث قال: «أما الولاية على الأمور الحسبية فهي ثابتة للفقيه الجامع للشرائط؛ فإن فصل الخصومات بيد الفقيه»([12]). ويبدو أنه يرى تدخل الفقيه في هذا المجال من باب التصرف، دون الولاية: «إنما الثابت أنّ له التصرف في الأمور التي لا بد من تحققها في الخارج»([13]).

 وهناك من الفقهاء ـ كالسيد الخوئي ـ مَن لا يرى ولاية شرعية للفقهاء حتى في الأمور الحسبية، وإنما يجيز له التصرّف بالمقدار المتيقَّن([14]). أما تدخل السيد الخوئي في الأمور السياسية أحياناً، أو رأيه في أنّ للفقيه حقّ التصرف في الغنائم الحربية([15])، فيتضح من خلال الجمع بين الأقوال المختلفة للشيخ الأنصاري.

 وطبقاً لرأي السيد الخوئي يُعَدُّ الفقيه القدر المتيقّن من الذين يحقّ لهم التصرف في الأمور الحسبية، ويمكن للأمور الحسبية أن تشمل بعض الأمور السياسية والاجتماعية أيضاً.

  وكيف كان يبدو أن من يحصر ولاية أو تصرّف الفقيه بالأمور الحسبية يحددها بهذا المقدار، ويبتعد عن نظرية ولاية الفقيه المطلقة، وهذا لا يتـنافى مع استدلاله بعموم المصلحة وإطلاق الدليل؛ إذ مهما كان فإنّ الولاية تتحدد بالأمور الحسبية والأحكام التـنظيمية، وطبقاً لرأيه إنما يتمكن الفقيه من القيام بالأحكام الإسلامية التـنظيمية؛ لدليلين:

 الأول: إن إجراء الأحكام التـنظيمية إنما شُرّع في إطار المصلحة العامة، والحفاظ على النظم، والحيلولة دون وقوع الظلم والفساد، وعليه لا يمكن اقتصاره على برهة خاصة.

 الثاني: إن أدلة الأحكام التـنظيمية تحتوي على إطلاق زماني وأحوالي، ولا شك في أن هذا التكليف غير موجّه إلى آحاد الناس؛ وإلا لاختلّ النظام، مضافاً إلى أن هناك روايات، كالتوقيع الشريف، أرجعت الناس إلى الفقهاء([16]).

وعليه يمكننا ـ خلافاً لمدعى الشيخ معرفت، وذهابه إلى أن الإطلاق في نظرية الإمام الخميني والشيخ الأنصاري والسيد الخوئي واحد([17]) ـ أن نستـنتج أن حفظ النظام (الأحكام التـنظيمية) وإن كان من الواجبات المطلقة (حفظ النظام من الواجبات المطلقة التي لا تقييد لها) إلا أن هذا الإطلاق يتحّدد بالأحكام الحسبية والتـنظيمية، ويختلف عن ولاية الفقيه التي صدع بها الإمام الخميني اختلافاً جوهرياً.

 وخلافاً لما ذهب إليه الشيخ معرفت من أن السيد الخوئي ـ كالإمام الخميني ـ يرى جريان دليل الإمامة بعينه على ولاية الفقهاء([18])، حيث قال: «فما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر#»([19])، يجب القول: إنّ الإمام الخميني يُثبت جميع شؤون المعصوم للفقيه؛ طبقاً لدليل التـنزيل، في حين يجيز السيد الخوئي تصرف الفقهاء في الأمور الحسبية والتـنظيمية من باب القدر المتيقّن. والملفت أن الشيخ معرفت يستـنتج ويقول: «وعليه يجب على الفقيه الجامع للشرائط أن يتصدى للواجبات الحكومية وإجراء الأحكام التـنظيمية؛ لعدم وجود مسؤول محدّد يتولى أمرها، من باب القدر المتيقن وعلى نحو الواجب الكفائي، وهذا لا يوجب حقاً... أن رقعة ولاية الفقيه في رأي الفقهاء ليست بحجم وسعة رقعة الولاية الكبرى الثابتة للمعصوم×»([20]). وبعبارة أخرى: يرى السيد الخوئي أن تصرف الولي الفقيه في الأمور الحسبية لا يعدّ منصباً له، بل هو مجرد حكم تكليفي من باب القدر المتيقّن، وعلى نحو الوجوب الكفائي، ولا يضاهي ولاية المعصوم×. وقد أشار الشيخ كديور بحقّ إلى أن آراء جواز تصرف الفقيه لا تصلح بديلاً عن نظرية ولاية الفقيه، ولا ينبغي الخلط بينهما وبين النظريات الولائية([21]).

 

 النتيجة

 1ـ خلافاً لمن يرى مسألة ولاية الفقيه ـ بالمعنى الثاني ـ أمراً بديهياً وإجماعياً فإن الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي لم يذهبا إليها، وقد حصرا ولاية الفقهاء العامة بالأمور الحسبية والتـنظيمية.

 2ـ كما تقدمت الإشارة فإن الشيخ الأنصاري يرى الفقهاء مرجعاً في الأمور الحسبية من باب القدر المتيقّن فقط. ولو تمّ التشكيك بدلالة القدر المتيقّن([22]) فعندها سوف يتساوى الفقيه وغيره في مجال الأمور العامة.

 وليس الفقهاء ـ في رأي الآخوند الخراساني ـ هم القدر المتيقن من الذين يتصدون للأمور العامة([23])، وعليه تمهد الأرضية لنفي القدسية عن السياسة، وكذلك عدم ضرورة تصدي المؤسسة الدينية لشؤون الدولة.

 وقد فتح ابن خلدون في مقدمته باباً تحت هذا العنوان، مفاده: «إن الفقهاء هم أبعد من غيرهم عن أمور السياسة وأساليبها»([24])، ورأى أن السبب في ذلك يعود إلى انتزاعية أفكارهم.

 وإذا تجاوزنا هذه الكلمات نجد أن لفقهاء الشيعة آراءً لا تربط الأمور السياسية بفقاهة الفقهاء: «إن شأن الفقيه الجامع للشرائط يكمن في إجراء الحدود، والإفتاء، والقضاء، والولاية على الغائبين والقصّر، وأين هذا من التصدي لحفظ ثغور المسلمين من الاعتداء، وإدارة أمور المعاش، وحفظ الدولة، ودفع سلطة الكفر؟!»([25]).

 وقد بين الأستاذ محمد حسين الغروي الأصفهاني هذا الأمر على النحو التالي: «إن الفقيه إنما يعد من أهل الخبرة؛ بسبب تفقهه في الاستـنباط، دون الأمور المتعلقة بتـنظيم شؤون المدن، وحفظ الثغور، وإدارة العمليات الجهادية والدفاعية، وعليه لا معنى من إسناد هذه الأمور إلى الفقيه بسبب تفقّهه»([26]).

 ويمكن إن نحصل من خلال هذا الكلام على نتيجتين:

 الأولى: إن الرجوع إلى الفقيه ليس أمراً مبهماً لا يمكن التعرف على ملاكه، وإن الرجوع إلى المختصين في الأمور السياسية إنما يهدف إلى تحسين الأداء السياسي.

 الثانية: إن الفقيه؛ بسبب تخصصه في علم الفقه، لا يُعّد هو القدر المتيقّن من المخوّلين في التصدي لمثل هذه الأمور، فلا بد من التمييز بين التخصّص في الفتوى والتخصّص في الإدارة والتـنفيذ، فقد يكون الفقيه أعلم في الإفتاء، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن يكون مختصّاً في الإدارة والتطبيق.

 ويمكن تقرير الإشكال في القدر المتيقن بنحو آخر، بأن يقال: إن المسألة الأساس ـ كما يشير (بوبر) ـ في ما يتعلق بالسياسة في العصور البدائية هو السؤال عن الشخص الذي يتصدى للحكم؟ في حين يتلخص السؤال المحوري حول السياسة في العصور المتحضّرة عن كيفية الحكم؟ وإن قول العلماء المسلمين ـ أيّاً كان دليلهم ـ حول السياسة التقليدية، وذهابهم إلى اعتبار الفقهاء هم القدر المتيقّن من الذين يمكنهم الحكم، ما هو إلا محاولة منهم للبحث عن إجابة مناسبة وشافية عن السؤال الأول؛ أما حالياً فلم يعد هناك مبرّر للقناعة بهذه الإجابة، فإن حقيقة التجدّد تحتِّم علينا الإجابة عن تساؤل تفرضه طبيعة المرحلة الجديدة ومتغيراتها، والذي يبدو هو أن التخصّص الفقهي، والدروس التي تلقى في الحوزات العلمية، لا تحظى إلاّ بأقل النسب بكيفية الحكم وإدارة المجتمع.

 3ـ إن رؤية الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي أقرب إلى (الإسلام الثقافي) منها إلى (الإسلام السياسي)([27]). ولو حددنا الميزة الأساسية للإسلام السياسي في الاعتقاد بضرورة القيام بتأسيس الحكومة على أساس الشريعة، ورسمنا خصائص الإسلام السياسي الراديكالي (الأصولي) في ثلاثة أبعاد: 1ـ ضرورة إقامة الحكومة؛ 2ـ الثورة و(العنف)؛ 3ـ عدم تحمل التجدّد، يمكن القول: إن رؤية هذين العلمين تتباين مع الإسلام السياسي والأصولي، وتـنسجم مع الإسلام الثقافي.   

 

 


الهوامش  


 

   

 

  

 

    

 


 



(*) باحث في الحوزة والجامعة، حائز على دكتوراه في العلوم السياسية، عضو الهيئة العلمية في كلية الفكر السياسي الإسلامي، وأستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية في جامعة المفيد في قم.



([1]) محمد هادي معرفت، «ولاية الفقيه عند الشيخ الأنصاري وآية الله الخوئي»، فكر الحوزة، العدد: 17، (صيف 1378).

([2]) مهدي الهادوي، موقع بازتاب، بتاريخ 21/ 9/ 85.

([3]) الشيخ الصدوق، إكمال الدين وإتمام النعمة: 484، تصحيح: علي أكبر الغفاري، قم، 1405هـ.

([4]) الشيخ الأنصاري، المكاسب (الطبعة الحجرية) ج3: 554 ـ 557، قم، بيتا.

([5]) محمد هادي معرفت، المصدر المتقدم: 250ـ 251.

([6]) المكاسب 2: 137 و140.

([7]) الشيخ الأنصاري، كتاب القضاء والشهادات: 49، قم، 1373.

([8]) الشيخ الأنصاري، كتاب الخمس: 516.

([9]) الشيخ الأنصاري، كتاب الزكاة: 356.

([10]) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام: 397، بيروت.

([11]) مهدي الهادوي، موقع بازتاب، بتاريخ: 21/ 9/ 85.

([12]) أبو القاسم الخوئي، صراط النجاة  1: 10، قم، بيتا.

([13]) أبو القاسم الخوئي، التـنقيح في شرح العروة الوثقى (الاجتهاد والتقليد)، بقلم: الميرزا جواد التبريزي: 423 ـ 424، قم، 1410.

([14]) محسن كديور، الحكومة الولائيّة: 52، طهران، نشر ني، 1377.

([15]) أبو القاسم الخوئي، منهاج الصالحين: 365 و379.

([16]) أبو القاسم الخوئي، مباني تكملة المنهاج 1: 224 ـ 226، بيروت، بيتا.

([17]) معرفت، المصدر المتقدم: 261.

([18]) معرفت، المصدر المتقدم 256.

([19]) الإمام الخميني، كتاب البيع 2: 1، قم، بيتا.

([20]) معرفت، المصدر المتقدم: 260.

([21]) كديور، المصدر المتقدم: 131ـ132.

([22]) فمثلاً: في ما يتعلق بالإشكال على دليل القدر المتيقّن راجع: السيد صادق حقيقت، مسؤوليتهاي فرا ملي در سياست خارجي دولت إسلامي: 246، طهران، مركز التحقيقات الإستراتيجيّة، 1376.

([23]) محمد كاظم الخراساني، حاشية كتاب المكاسب، طهران، 1406هـ.

([24]) ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون: 1146، ترجمة: محمد بروين الكنابادي، طهران، شركة سهامي انتشار، 1375.

([25]) محمد علي الآراكي، المكاسب المحرمة: 94، قم، 1413هـ.

([26]) محمد حسين الغروي الإصفهاني، حاشية كتاب المكاسب (الطبعة الحجرية) 1: 214.

([27]) السيد صادق حقيقت، من الإسلام الثقافي إلى الإسلام السياسي، اعتماد ملي، بتاريخ 27/ 7/ 1385.